ابن خلكان

303

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

ترجمة غازي ما جرى من نور الدين عقيب موت قطب الدين المذكور وأنه قصد الموصل ثم قرر أمر غازي المذكور فيها ، ورتب أحوال أولاد أخيه كلهم . وفي تلك السفرة بنى نور الدين الجامع النوري داخل الموصل ، وهو مشهور هناك يقام فيه الجمعة ، وكان سبب عمارته ما حكاه العماد الأصبهاني في « البرق الشامي » عند ذكره لوصول نور الدين إلى الموصل أنه كان بالموصل خربة متوسطة البلد واسعة ، وقد أشاعوا عنها ما ينفر القلوب منها ، وقالوا : ما شرع في عمارتها إلا من ذهب عمره ، ولم يتم على مراده أمره ، فأشار عليه الشيخ الزاهد معين الدين عمر الملا - وكان من كبار الصالحين - بابتياع الخربة وبنائها جامعا ؛ وأنفق فيها أموالا جزيلة ، ووقف على الجامع ضيعة من ضياع الموصل . وكان قطب الدين قد تولى السلطنة بالموصل وتلك البلاد عقيب موت أخيه سيف الدين غازي الأكبر - المقدم ذكره أيضا - وكان حسن السيرة ، عادلا في حكمه . وفي دولته عظم شأن جمال الدين محمد الوزير الأصبهاني المعروف بالجواد - المقدم ذكره - وهو الذي قبض عليه حسبما سبق شرحه ، وكان مدبر دولته وصاحب رأيه الأمير زين الدين علي كجك والد مظفر الدين صاحب إربل ، وكان نعم المدبر والمشير لصلاحه وخيره وحسن مقاصده مع شجاعة تامة وفروسية مشهورة - وقد تقدم أيضا ذكره في ترجمة ولده مظفر الدين في حرف الكاف . ولم يزل قطب الدين المذكور على سلطنته ونفاذ كلمته إلى أن توفي في شوال سنة خمس وستين وخمسمائة ، وقيل في الثاني والعشرين من ذي الحجة من السنة المذكورة . وذكر أسامة بن منقذ في كتاب له صغير ذكر فيه من أدركه في عمره من ملوك البلاد أن قطب الدين المذكور توفي سلخ ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة ، وليس بصحيح ، فإن أخاه نور الدين كان بالموصل في شهر ربيع الآخر ، وجاءته رسل الخليفة وهو مخيم على الموصل في الشهر المذكور ، ولم يتوجه نور الدين إليها إلا بعد وفاة أخيه قطب الدين . وكانت وفاته بالموصل ، ومدة عمره أكثر من أربعين سنة بقليل ، وخلف عدة أولاد ، وأكثرهم ملك البلاد . وقد تقدم ذكر أبيه وجده وجماعة من أهل بيته ، رحمهم اللّه تعالى .